كتاب أحلام من أبي pdf
  • أحلام من أبي

من هو باراك أوباما

قبل أن يصبح باراك أوباما الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، وقبل أن يخطو خطواته في أروقة البيت الأبيض، كان شابًا يبحث عن مكانه في العالم في عام 1995، وقبل سنوات طويلة من دخوله عالم السياسة على المستوى الوطني، نشر أوباما مذكراته الأولى بعنوان أحلام من أبي قصة عرق وإرث” (Dreams from My Father: A Story of Race and Inheritance). هذا الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية سياسية، بل هو استكشاف أدبي عميق وصادق لرحلة شاب في البحث عن هويته المعقدة، كابن لأب كيني أسود وأم أمريكية بيضاء.

يعتبر الكتاب وثيقة فريدة من نوعها، لأنه يكشف عن أفكار وتساؤلات أوباما الداخلية قبل أن تصقله المناصب السياسية. إنه “سجل لرحلة شخصية داخلية”، كما وصفه أوباما نفسه، رحلة بحث عن أبٍ لم يعرفه إلا بالكاد، وعن معنى الانتماء في مجتمع منقسم على أساس العرق.

شرارة الكتابة: موت الأب وبداية الرحلة

تبدأ القصة في نيويورك، حيث يتلقى باراك أوباما، وهو في الحادية والعشرين من عمره، مكالمة هاتفية من عمته في نيروبي تخبره بوفاة والده في حادث سيارة. هذا الخبر المفاجئ والمؤلم يصبح هو المحفز لرحلة أوباما العاطفية والفكرية. الأب، الذي كان شخصية شبه أسطورية وغائبة عن حياته، يتحول فجأة إلى لغز يجب حله. لم يلتقِ أوباما بوالده إلا مرة واحدة في حياته عندما كان في العاشرة من عمره، وكانت تلك الذكرى ضبابية ومحدودة.

هذا الغياب لم يترك فراغًا عاطفيًا فحسب، بل ترك أيضًا أسئلة وجودية حول هويته. من هو هذا الرجل الذي ورث عنه اسمه ولون بشرته؟ وماذا يعني أن تكون ابنًا له في أمريكا فإن المذكرات هي قصة بحث أوباما عن هويته ثنائية العرق من خلال تتبع حياة والده المتوفى وعائلته.

هيكل الكتاب: رحلة عبر ثلاث قارات وثلاث هويات

بنى أوباما كتابه ببراعة أدبية، مقسمًا رحلته إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، يمثل كل جزء منها مرحلة جغرافية ونفسية حاسمة في تكوينه. هذا التقسيم ليس مجرد تنظيم للأحداث، بل هو انعكاس لمراحل تطور فهمه لذاته وللعالم من حوله.

الجزء الأول: “جذور” (Roots)

يغطي هذا الجزء طفولة أوباما وشبابه المبكر. يأخذنا في رحلة من هاواي، حيث نشأ مع أجداده من طرف أمه البيضاء، إلى إندونيسيا، حيث عاش لسنوات مع والدته وزوجها الإندونيسي. في هذا الجزء، يستكشف أوباما بصدق مؤلم شعوره بالاختلاف والتساؤلات الأولى حول عرقه.

يروي كيف كان الطفل الوحيد ذا البشرة الداكنة في كثير من الأحيان، وكيف بدأ يدرك أن لون بشرته يحمل معنى اجتماعيًا وسياسيًا لم يكن يفهمه تمامًا. هذا الجزء مليء بالذكريات عن والدته، آن دنهام، المرأة القوية والمثالية التي حاولت أن تغرس فيه فهمًا وتقديرًا لإرثه الأفريقي رغم غياب والده.

الجزء الثاني: “شيكاغو” (Chicago)

بعد تخرجه من الجامعة، ينتقل أوباما إلى شيكاغو ليعمل كمنظم مجتمعي في الأحياء الفقيرة التي يقطنها الأمريكيون من أصل أفريقي هذه الفترة كانت بمثابة اختبار حقيقي لهويته. لم يعد مجرد شخص “مختلف” في بيئة بيضاء، بل أصبح الآن شابًا متعلمًا من جامعة مرموقة يحاول إيجاد القبول والانتماء داخل المجتمع الأسود. يصف أوباما ببراعة التحديات والإحباطات والنجاحات الصغيرة في عمله، وكيف علمه هذا العمل دروسًا قاسية ولكنها ضرورية حول العرق والطبقة والسلطة في أمريكا. في شيكاغو، بدأ أوباما يجد صوتًا له ويصوغ فهمًا عمليًا لهويته كرجل أسود في أمريكا، ليس فقط بالوراثة، ولكن بالاختيار والالتزام.

الجزء الثالث: “كينيا” (Kenya)

يمثل هذا الجزء ذروة الكتاب ورحلة أوباما الفعلية إلى أرض آبائه. يسافر إلى كينيا للقاء عائلته الممتدة لأول مرة: جدته، إخوته وأخواته غير الأشقاء، وأبناء عمومته. هذه الرحلة هي تتويج لبحثه الطويل. يستمع إلى قصص عن والده من الذين عرفوه عن قرب، ويرى بعينيه الواقع المعقد للحياة في أفريقيا، بعيدًا عن الصورة الرومانسية التي ربما كان يحملها. يواجه إرث والده بكل تناقضاته: الرجل الذكي الطموح الذي غادر قريته للدراسة في أمريكا، ولكنه أيضًا الرجل الذي عانى من إخفاقات شخصية ومهنية. في كينيا، يجد أوباما أخيرًا السلام مع شبح والده، ويتمكن من تجميع قطع ماضيه المتناثرة في قصة متماسكة، قصة “عرق وإرث” أصبحت ملكه بالكامل.

المواضيع الرئيسية: ما وراء السيرة الذاتية

يتجاوز كتاب أحلام من أبي كونه مجرد سرد لأحداث حياة شخصية ليلامس قضايا إنسانية عالمية لا تزال تتردد أصداؤها حتى اليوم.

1. البحث عن الهوية والانتماء

جوهر الكتاب هو الصراع الداخلي لأوباما مع هويته المتعددة. لم يكن أسودًا بالكامل في نظر بعض أفراد المجتمع الأفريقي الأمريكي، ولم يكن أبيضًا بالتأكيد في نظر المجتمع الأوسع. يصف الكتاب هذا الشعور بالوجود “بين عالمين” والتحدي المتمثل في بناء هوية متكاملة لا تتنكر لأي جزء من تراثه. هذه الرحلة من الشك إلى التصالح مع الذات هي ما يمنح الكتاب قوته العاطفية والفكرية.

2. العرق والعنصرية في أمريكا

يقدم أوباما تأملات ثاقبة حول تجربة العرق في الولايات المتحدة. من خلال حكايات شخصية، سواء كانت مواجهات دقيقة مع التحيز أو مناقشات صريحة حول الانقسامات العرقية، يرسم الكتاب صورة حية للواقع الذي يعيشه الكثير من الأمريكيين من أصل أفريقي. وكما تشير العديد من المراجعات، فإن الكتاب “يحكي واقع العنصرية” بأسلوب شخصي ومؤثر، بعيدًا عن التحليلات الأكاديمية الجافة.

3. إرث الأب الغائب

العنوان نفسه “أحلام من أبي” يشير إلى التأثير العميق الذي يمكن أن يتركه الأب، حتى في غيابه. بالنسبة لأوباما، كان والده مجموعة من الأحلام والتوقعات، بعضها ملهم وبعضها الآخر محطم. الكتاب هو محاولة لفهم هذه الأحلام، وفصل الرجل الحقيقي عن الأسطورة، وفي النهاية، تحديد أي جزء من هذا الإرث سيحمله معه. إنها قصة عن كيف نشكل حياتنا حول الفراغات التي يتركها الآخرون.

الأسلوب الأدبي: لماذا هو أكثر من مجرد مذكرات؟

أحد الجوانب التي أثنى عليها النقاد والقراء على حد سواء هو الأسلوب الأدبي الرفيع للكتاب. لم يكتب أوباما مذكرات سياسية تقليدية، بل صاغ عملًا يتمتع بصفات الرواية. لغته شعرية، وصفه حيوي، وقدرته على سرد القصص آسرة. وقد ذكر العديد من القراء أنهم شعروا بأنهم يقرؤون رواية، خاصة مع ثراء الأحداث والشخصيات.

“لم أتوقع أن يعجبني الكتاب أبدًا وتوقعته تسويقيًا وكتبه بعد وصوله للرئاسة لكن الكتاب كتب قبل ذلك بسنوات طويلة وحتى قبل أن يصبح أبًا. الكتاب بالمجمل رائع ويستحق القراءة…”- لمياء القحطاني، قارئ.

هذه الجودة الأدبية هي التي سمحت للكتاب بالوصول إلى جمهور أوسع بكثير من المهتمين بالسياسة فقط، وجعلته عملًا كلاسيكيًا في أدب السيرة الذاتية الأمريكي.

آراء القراء والنقاد: استقبال حافل لكتاب صادق

عند صدوره لأول مرة في عام 1995، لم يحقق الكتاب نجاحًا تجاريًا فوريًا، لكنه تلقى مراجعات نقدية إيجابية. ومع صعود نجم أوباما السياسي، أعيد اكتشاف الكتاب وأصبح من أكثر الكتب مبيعًا. أجمع القراء على صدق الكتاب وعمقه، ورأوا فيه نافذة نادرة على عقل وشخصية رجل سيصبح قائدًا للعالم.

أصداء من القراء

“من أجمل الكتب التي قرأتها… يذكر فيها أوباما معاناته وقصته مع والده الذي ينتمي للسود ووالدته الأميركية، والصراع الكبير الذي عاشه بينهما. وكيف استطاع بالعزيمة والإدارة أن يرتقي… يعجبني في أوباما أمرين -ولا علاقة لي الآن بسياسته- أنه كاتب ممتاز، والأمر الثاني: أنه متحدث جيِّد.”

مرتضى

“هذا كتابٌ لم أرد له أن ينتهي! بعض الكتب حين ننتهي منها تبين لنا حجم الفراغ الذي نعيش فيه بعدها! … هذا كتابٌ يسكن بين طيّاته باراك الإنسان. باراك الشخص العادي الذي يسعى بكل ما يملك لأن يجعل لعرقه شأنا.”

أركاه موشواه

“;كتبه باراك قبل أن يعتلي عرش السلطة ولا علاقة لهذا الكتاب بكونه رئيس أكبر دولة في العالم بل ربما قد يكون سببا في إيصاله لكرسي الرئاسة. وفيه ينقل باراك سيرة حياته… كتبت السيرة بأسلوب أدبي جميل خاصة في الفصل الذي توجه فيه إلى القارة الأفريقية. إنها هي قصة قوة إرادة ونجاح.”

ميّ أحمد

خاتمة: إرث “أحلام من أبي”

في النهاية، “أحلام من أبي” هو أكثر من مجرد قصة صعود سياسي. إنه شهادة مؤثرة على قوة الإرادة البشرية في مواجهة الانقسامات، ورحلة عالمية للبحث عن الجذور في عالم يزداد تشابكًا. الكتاب هو تذكير بأن قصصنا الشخصية، بكل تعقيداتها وتناقضاتها، هي التي تشكل هويتنا وتمنحنا القوة للمضي قدمًا.

إنه عمل يقدم دروسًا في المثابرة، وقبول الذات، وأهمية فهم الماضي من أجل بناء المستقبل. سواء كنت مهتمًا بحياة باراك أوباما، أو بقضايا الهوية والعرق، أو ببساطة تبحث عن قصة إنسانية ملهمة ومكتوبة بشكل جميل، فإن “أحلام من أبي” يظل كتابًا ضروريًا ويستحق القراءة بعد عقود من نشره.

دار النشر مؤسسة هنداوي
تاريخ النشر 2026
عدد الصفحات 463
القسم
ملاحظات للإبلاغ عن رابط لا يعمل أو كتاب له حقوق

تعليقات الفيس بوك

x